الثلاثاء، 12 مايو 2015

وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ



 

وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ


  وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ( 165 ) سورة الأنعام.
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ  ) أَيْ : جَعَلَكُمْ تُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ ، وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، وَخَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ . قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ  وَغَيْرُهُ ، كَمَا قَالَ : ( وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ  ) [ الزُّخْرُفِ : 60 ] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ  ) [ النَّمْلِ : 62 ] ، وَقَوْلِهِ ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  ) [ الْبَقَرَةِ : 30 ] ، وَقَوْلِهِ ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ  ) [ الْأَعْرَافِ : 129 ] .
وَقَوْلِهِ : ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ  ) أَيْ : فَاوَتَ بَيْنَكُمْ فِي الْأَرْزَاقِ وَالْأَخْلَاقِ ، وَالْمَحَاسِنِ وَالْمُسَاوِئِ ، وَالْمُنَاظِرِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ : ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا  ) [ الزُّخْرُفِ : 32 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا  ) [ الْإِسْرَاءِ : 21 ] .
 وَقَوْلِهِ : ( لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ  ) أَيْ لِيَخْتَبِرَكُمْ فِي الَّذِي أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ وَامْتَحَنَكُمْ بِهِ ، لِيَخْتَبِرَ الْغَنِيَّ فِي غِنَاهُ وَيَسْأَلُهُ عَنْ شُكْرِهِ ، وَالْفَقِيرَ فِي فَقْرِهِ وَيَسْأَلُهُ عَنْ صَبْرِهِ .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ  فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ  أَبِي نَضْرَةَ  ، عَنْ  أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ  ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
 إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ  كَانَتْ فِي النِّسَاءِ  "
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ) تَرْهِيبٌ وَتَرْغِيبٌ ، أَنَّ حِسَابَهُ وَعِقَابَهُ سَرِيعٌ مِمَّنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ رُسُلَهُ ( وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ) لِمَنْ وَالَاهُ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مَنْ خَيْرٍ وَطَلَبٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ   : يُرْحَمُ الْعِبَادُ عَلَى مَا فِيهِمْ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ   .
وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَقَوْلُهُ : ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ  ) [ الْحِجْرِ : 49 ، 50 ] ، وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ  ) [ الرَّعْدِ : 6 ] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، فَتَارَةً يَدْعُو عِبَادَهُ إِلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وَصِفَةِ الْجَنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ فِيمَا لَدَيْهِ ، وَتَارَةً يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ بِالرَّهْبَةِ وَذِكْرِ النَّارِ وَأَنْكَالِهَا وَعَذَابِهَا وَالْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا ، وَتَارَةً بِهَذَا وَبِهَذَا لِيَنْجَعَ فِي كُلٍّ بِحَسَبِهِ . جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ أَطَاعَهُ فِيمَا أَمَرَ ، وَتَرَكَ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ ، وَصَدَّقَهُ فِيمَا أَخْبَرَ ، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ، جَوَادٌ كَرِيمٌ وَهَّابٌ .
وَقَدْ قَالَ  الْإِمَامُ أَحْمَدُ   : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ  ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ،  عَنِ الْعَلَاءِ ،  عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ  أَبِي هُرَيْرَةَ  رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِالْجَنَّةِ أَحَدٌ ، وَلَوْ يُعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنَ الْجَنَّةِ أَحَدٌ ، خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا ، وَعِنْدَ اللَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ  "
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ،  عَنْ قُتَيْبَةَ ،  عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ  ، عَنِ الْعَلَاءِ  بِهِ . وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ  عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى  وَقُتَيْبَةَ   وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ  ، ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ  ، عَنِ الْعَلَاءِ   . 

تفسير بن كثير

يقول تعالى:  { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}  أي جعلكم تعمرونها جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن وخلفاً بعد سلف، كقوله تعالى:  { ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون}  ، وكقوله تعالى:  { ويجعلكم خلفاء الأرض}  ، وقوله:  { إني جاعل في الأرض خليفة}  ، وقوله:  { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}  ، وقوله:  { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ  }   ، أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى:  { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً}  ، وقوله:  { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً}  ، وقوله تعالى:  { ليبلوكم في ما آتاكم}  أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغني في غناه، ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره.

 وفي صحيح مسلم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن اللّه مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) ""رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً"". وقوله تعالى:  { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم}  ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله، { وإنه لغفور رحيم}  لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب. وقال محمد بن إسحاق: ليرحم العباد على ما فيهم. وكثيراً ما يقرن اللّه تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله:  { نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم}  إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب. فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه، جعلنا اللّه ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء، جواد كريم وهاب. وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لو يعلم المؤمن ما عند اللّه من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند اللّه من الرحمة ما قنط أحد من الجنة. خلق اللّه مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه، يتراحمون بها وعند اللّه تسعة وتسعون) ""أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً""، وعنه أيضاً قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (جعل اللّه الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) ""أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً"".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق