‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأحاديث القدسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأحاديث القدسية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 10 نوفمبر 2012

مقدمة حول الأحاديث القدسية



الأحاديث القدسية


مقدمة حول الأحاديث القدسية
 
إسلام ويب

الحديث القدسي هو الحديث الذي يسنده النبي صل الله عليه وسلم إلى الله عز وجل ، والقدسي نسبة للقدس ، وهي تحمل معنى التكريم والتعظيم والتنزيه ، ولعل من مناسبة وصف هذا النوع من الأحاديث بهذا الوصف ، أن الأحاديث القدسية تدور معانيها في الغالب على تقديس الله وتمجيده وتنزيهه عما لا يليق به من النقائص ، وقليلاً ما تتعرض للأحكام التكليفية .

 ويرد الحديث القدسي بصيغ عديدة كأن يقول الراوي مثلاً : قال رسول الله صل الله عليه وسلم  فيما يرويه عن ربه ، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صل الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل :

يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار... رواه البخاري .

 أو أن يقول الراوي : قال رسول الله صل الله عليه وسلم :

 قال الله تعالى ، أو يقول الله تعالى ، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صل الله عليه وسلم : يقول الله تعالى :

أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه... رواه البخاري ومسلم .

 ومما تجدر الإشارة إليه أن وصف الحديث بكونه قدسياً لا يعني بالضرورة ثبوته ، فقد يكون الحديث صحيحاً وقد يكون ضعيفاً أو موضوعاً ، إذ إن موضوع الصحة والضعف المدار فيه على السند وقواعد القبول والرد التي يذكرها المحدثون في هذا الباب ، أمَّا هذا الوصف فيتعلق بنسبة الكلام إلى الله تبارك وتعالى .

 هل الحديث القدسي كلام الله بلفظه أو بمعناه :

 اختلف أهل العلم في الحديث القدسي هل هو من كلام الله تعالى بلفظه ومعناه ، أم أن معانيه من عند الله وألفاظه من الرسول صل الله عليه وسلم فذهب بعضهم إلى القول الأول وهو أن ألفاظه ومعانيه من الله تعالى ، أوحى بها إلى رسوله عليه الصلاة والسلام بطريقة من طرق الوحي غير الجلي أي من غير طريق جبريل عليه السلام ، إما بإلهام أو قذف في الروع أو حال المنام ، إلا أنه لم يُرِد به التحدي والإعجاز ، وليست له خصائص القرآن ، وذهب البعض إلى القول الثاني وهو أن الحديث القدسي كلام الله بمعناه فقط ، وأما اللفظ فللرسول صل الله عليه وسلم ، وهذا القول هو الصحيح الراجح .

 الفرق بين القرآن والحديث القدسي :

هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي ، ومن أهم هذه الفروق :

 1- أن القرآن الكريم كلام الله أوحى به إلى رسول الله صل الله عليه وسلم بلفظه ومعناه وتحدى به العرب بل الإنس والجن أن يأتوا بمثله ، وأما الحديث القدسي فلم يقع به التحدي والإعجاز .

 2- القرآن الكريم جميعه منقول بالتواتر ، فهو قطعي الثبوت ، وأما الأحاديث القدسية فمعظمها أخبار آحاد ، فهي ظنية الثبوت ، ولذلك فإن فيها الصحيح والحسن والضعيف .

 3- القرآن الكريم كلام الله بلفظه ومعناه ، والحديث القدسي معناه من عند الله ولفظه من الرسول صل الله عليه وسلم ، على الصحيح من أقوال أهل العلم .

 4- القرآن الكريم متعبد بتلاوته ، وهو الذي تتعين القراءة به في الصلاة ، ومن قرأه كان له بكل حرف حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، وأما الحديث القدسي فغير متعبد بتلاوته ، ولا يجزئ في الصلاة ، ولا يصدق عليه الثواب الوارد في قراءة القرآن .

 عدد الأحاديث القدسية والمصنفات فيها :

ذكر العلامة ابن حجر الهيتمي أن مجموع الأحاديث القدسية المروية يتجاوز المائة ، وذكر أنه قد جمعها بعضهم في جزء كبير ، والصحيح أن عددها بغض النظر عن صحتها أكثر من ذلك فهو يجاوز الثمانمائة ، بل قد يقارب الألف ، وقد أفرد العلماء هذا النوع من الأحاديث بالتصنيف ومنهم الشيخ المناوي رحمه الله في كتابه المسمى ( الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية ) ، وللعلامة المدني أيضاً كتاب ( الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية ) ، وكتاب ( الأحاديث القدسية ) لابن بلبان ، وهناك كتب معاصرة أفردت في هذا النوع من الأحاديث ، ومنها كتاب ( الجامع في الأحاديث القدسية ) لعبد السلام بن محمد علوش ، وكتاب ( الصحيح المسند من الأحاديث القدسية ) لمصطفى العدوي ، وسنعرض إن شاء الله لبعض هذه الأحاديث بشيء من التفصيل والشرح والبيان ، والله الموفق وعليه التكلان .

 

 

 

لو بلغت ذنوبك عنان السماء




 

الأحاديث القدسية

 
لو بلغت ذنوبك عنان السماء

 
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول:

 قال الله تبارك وتعالى:

يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة .

رواه الترمذي وصححه ابن القيم وحسنه الألباني.

 غريب الحديث

عنان السماء: وهو السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها.

 قراب الأرض: ملؤها أو ما يقارب ملأها.

 إنك ما دعوتني ورجوتني: أي ما دمت تدعوني وترجوني.

 ولا أبالي: أي إنه لا تعظم علي مغفرة ذنوبك وإن كانت كبيرة وكثيرة.

 منزلة الحديث

هذا الحديث من أرجى الأحاديث في السنة، ففيه بيان سعة عفو الله تعالى ومغفرته لذنوب عباده، وهو يدل على عظم شأن التوحيد، والأجر الذي أعده الله للموحدين، كما أن فيه الحث والترغيب على الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.

 أسباب المغفرة

وقد تضمن هذا الحديث أهم ثلاثة أسباب تحصل بها مغفرة الله وعفوه عن عبده مهما كثرت ذنوبه وعظمت، وهذه الأسباب هي:

 1- الدعاء مع الرجاء :

 فقد أمر الله عباده بالدعاء ووعدهم عليه بالإجابة ، فقال سبحانه:

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( 60 ) غافر) .

 وقال صل الله عليه وسلم:

 الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ هذه الآية . رواه أحمد ، ولكن هذا الدعاء سبب مقتض للإجابة عند استكمال شرائطه وانتفاء موانعه ، فقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض الشروط والآداب أو لوجود بعض الموانع.

 ومن أعظم شروط الدعاء حضور القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، قال صل الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي :

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ،

 واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه .

 ولهذا أُمِر العبد أن يعزم في المسألة وألا يقول في دعائه اللهم اغفر لي إن شئت، ونُهِي أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجُعِل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد حبل الرجاء ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء، وما دام العبد يلح في الدعاء ويطمع في الإجابة مع عدم قطع الرجاء، فإن الله يستجيب له ويبلغه مطلوبه ولو بعد حين، ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.

 2- الاستغفار مهما عظمت الذنوب :

 السبب الثاني من أسباب المغفرة المذكورة في الحديث، هو الاستغفار مهما عظمت ذنوب الإنسان، حتى لو بلغت من كثرتها عنان السماء وهو السحاب أو ما انتهى إليه البصر منها، وقد ورد ذكر الاستغفار في القرآن كثيراً فتارة يأمر الله به كقوله سبحانه:

 واستغفروا الله إن الله غفور رحيم  (المزمل: 20)، وتارة يمدح أهله كقوله تعالى:  والمستغفرين بالأسحار  (آل عمران: 17)، وتارة يذكر جزاء فاعله كقوله تعالى:  ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما  (النساء: 110) .

 والاستغفار الذي يوجب المغفرة هو الاستغفار مع عدم الإصرار على المعصية والذنب، وهو الذي مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة في قوله:

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ

( 135 ) سورة آل عمران.

 وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال:

أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى:

 أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك.

 والمعنى أي ما دمت على هذ الحال كلما أذنبت استغفرت من ذنبك، قال بعض الصالحين: "من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب في استغفاره"، وكان بعضهم يقول: "استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير".

 وأفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة، ولهذا قال صل الله عليه وسلم كما في الصحيح:

سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة.

 ومن صيغ الاستغفار العظيمة ما ورد في الحديث الصحيح عند الترمذي أن النبي صل الله عليه وسلم قال:

من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه،

 غفر له وإن كان فر من الزحف .

 3- التوحيد الخالص :

 السبب الثالث من أسباب المغفرة تحقيق التوحيد، وهو من أهم الأسباب وأعظمها، فمن فقدَه فقَدَ المغفرة، ومن جاء به فقَدْ أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ

وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا

( 48 ) سورة النساء

والتوحيد في الحقيقة ليس مجرد كلمة تنطق باللسان من غير فقه لمعناها، أو عمل بمقتضاها، إذاً لكان المنافقون أسعد الناس بها، فقد كانوا يرددونها بألسنتهم صباح مساء ويشهدون الجمع والجماعات، ولكنه في الحقيقة استسلام وانقياد، وطاعة لله ولرسوله، وتعلق القلب بالله سبحانه محبة وتعظيما، وإجلالا ومهابة، وخشية ورجاء وتوكلا، كل ذلك من مقتضيات التوحيد ولوازمه، وهو الذي ينفع صاحبه يوم الدين.